ابن الوزان الزياتي

53

وصف افريقيا

في خارج الأسوار أو في داخلها ، حتى أننا لا نجد مدينة تماثلها في العالم . وبعد أن رأى جوهر أن خليفة بغداد لم يقم بأية تجهيزات لحملة عسكرية ، أخطر سيده بأن كل المناطق التي فتحها قد دانت له بالطاعة ، وأن الأمن قد استتب ، وأن كل المواقع بحالة أهبة للدفاع ومحروسة بشكل جيد . وعرض عليه فيما إذا كان من الممكن لجنابه أن ينتقل شخصيا إلى مصر ، ذلك أن وجوده بمصر يعدل مئات الألوف من الجنود ، بل يزيد أثره على ذلك في فتح ما تبقى من بلاد . وسيكون ذلك سببا لكي يترك خليفة بغداد منصبه ويلجأ للهرب . وعندما بلغت هذه المناشدة الشهمة مسامع الخليفة الفاطمي ، قام بتجهيز جيش لجب ، وامتلأ تيها بهذا النجاح الجديد ، وقصد مصر دون اعتبار ما قد يحدث من مخاطر . وترك أميرا من قبيلة صنهاجة واليا وقائدا عاما على بلاد البربر ، ولم يكن هذا الأمير صديقه فحسب ، بل كان كذلك خادما في منزله « 89 » . وعندما بلغ الخليفة القاهرة ، استقبله خادمه بكل إجلال . ولما كانت نفسه مشبعة بالمشاريع الكبرى فقد أنفذ جيشه ضد خليفة بغداد « 90 » . وفي غضون ذلك ، تمرد الحاكم الذي خلفه في بلاد البربر وقدم خضوعه لخليفة بغداد الذي سر بهذا الحادث ، ومنحه امتيازات واسعة مثلما منحه لقب ملك كل إفريقيا . وعندما علم القائم بذلك وهو في القاهرة اعتبره نبأ مؤلما لأنه موجود في خارج مملكته ، ولأنه أنفق كل احتياطيه من الذهب والمؤن التي حملها معه « 91 » ، ولما طار صوابه ولم يعرف أين يقف ، راح يصب لعناته على مولاه جوهر وما اقترحه عليه بشأن قدومه إلى مصر . وقد كان بجواره أمين سر له ، رجل عالم حاد الذكاء ، اسمه أبو محمد الحسن « 92 » وقد أدرك

--> ( 89 ) لقد غادر الخليفة أبو تميم معد المعز قصره المنصورية قرب القيروان بتاريخ 6 آب ( أعسطس ) 972 م ولم يصل إلى القاهرة إلا في 11 حزيران ( يونية ) 973 م . وعهد بنيابة الملك على بلاد البربر لرجل شجاع ، هو يوسف بن زيرى ، الملقب بولوغّين ، أمير صنهاجه . ( 90 ) هذا الزعم غير صحيح ، ففي الداخل كان عليه حماية حدوده من تهديدات القرامطة المخيفة . ( 91 ) وهنا يرتكب المؤلف خطأين تاريخيين . فعندما وقعت هذه الأحداث كان الخليفة القائم قد توفي منذ مائة عام ، أي بتاريخ 17 أيار ( مايو ) 946 م ، وكان حفيده فاتح مصر معد المعز قد توفي بتاريخ 22 كانون الأول ( ديسمبر ) 975 م ، وكان الخليفة الفاطمي في مصر في ذلك العهد هو أبو تميم المعز المستنصر . هذا هو الخطأ الأول . وأما الخطأ الثاني فهو أن يوسف بن زيري كان قد توفي في شهر ماي ( أيار ) 984 م ، وأن أحد حفدته ، وهو المعز بن باديس ، هو الذي انشق على حكومة مصر الشيعية ، وانتهى به الأمر ان خضع في سنة 1050 م لخلافة بغداد السنية . وقد شجعه على ذلك نجاح الدعوة السنية في بلاده وانتشار المذهب السني في مختلف ارجائها . ( 92 ) اليازوري وهو قاضي القاهرة الكبير ، تولى منصب رئاسة الوزارة عام 1050 م .